منوعات

أسماك الزينة

أسماك الزينة كائنات عجيبة لا تجيد أي عمل في الدنيا سوى أن تموت ..! في الصباح تجد الحوض جميلاً أنيقاً و الأسماك تسبح سعيدة راضية تلتهم الطعام و تلتقط الحصى .. عند الظهر تجد ثلاث أو أربع سمكات طافية علي الماء و قد انتفخت و صارت جديرة بأفلام الرعب الحديثة ، فتتغلب على تقززك و حزنك و تحمل هذه الجثث بالشبكة لتلقي بها في المرحاض ، و عند المساء تكتشف أن الحوض لم يعد حوض سمك زينة بل هو وعاء زجاجي لحفظ الماء لا أكثر . عندما ابتعت هذا الحوض قال لي بائع الحيوانات الأليفة في حكمة : _ ” لا تطعم السمك لمدة ساعتين بعد وضعه في الماء لأنه يعاني من نقص الأكسجين ” صحيح أنه كان يقول هذا و هو يحمل شبكة مليئة بالأسماك الميتة ليضعها في قفص القطط المنزلية التي يبيعها ، لكني قلت لنفسي إنه يعرف ما يقول . و عندما عدت له لأخبره أن معظم الأسماك ماتت سألني في شك : _ ” هل أطعمت الأسماك على الفور ؟ ” فقلت لا .. هكذا هز رأسه متعجباً من جهلي و أكد أن هذا هو الخطأ بالذات .. لا بد من اطعام الأسماك فوراً لأنها تكون في حاجة إلى سعرات عندما تنتقل لمياه جديدة . ابتعت منه بعض الأسماك ممتناً لوجود خبراء في هذا العالم ، و عدت لأملأ الحوض من جديد و لم أنس أن أضع للأسماك الطعام فوراً ، عندما طفت الأسماك _ وهو عنوان فيلم شهير لكاكويانس _ عدت له لأفهم .. تنحنح بحكمه القرون كأن أجداده كانوا عمالقة البحار ، و قال : _ ” هل تضيء النور في الحوض طيلة الوقت ” _ ” نعم ” _ ” هذا هو السبب إذن .. لابد ألا يضاء الحوض أكثر من ثمان ساعات و إلا تكاثرت الطحالب ” و هكذا عدت للبيت و انتزعت فيشة النور ، و تحملت أن يتحول الحوض المضاء الجميل إلى كتلة سوداء كئيبه جاثمه في الظلام تذكرني بالتوابيت . على إنني عندما أعدت وضع الفيشة في القابس وجدت أربع أسماك تطفو علي السطح و قد انتفخت و تشوهت . عدت للرجل العبقري أطلب رأيه فحك رأسه مستحضراً حكمة القرون و سألني عن ظروف الإضاءه .. ثم عرف أنني أحمق أطفيء النور أكثر اليوم فقال ضاحكاً _ ” خطأ جسيم .. السمك كالنبات يحتاج إلى النور .. هذه الأسماك تطفو قرب السطح ولا تنزل للقاع أبداً ” طبعاً كان السبيل الوحيد لعدم قتله هو أن أستعين بغيره .. و قابلت الكثيرين من هؤلاء الحكماء الذين ينصحونني بأن أضيف الكثير من الملح لمياه الحوض و من ينصحني بألا أضع الملح أبداً .. و هناك من يعطيني زجاجة صغيرة باهظة الثمن أسكب منها قطرات في الحوض ، فإذا فعلت و مات السمك قال لي في جزع : _ ” لابد أنك وضعت الدواء ثم أطعمت السمك فوراً .. هذا خطأ ” الآن و قد صار الحوض جثة هامدة ملقاة على سطح البنايه ، تستخدمها القطط كحمام أحياناً ، عرفت الحقيقة المروعة : لا أحد يعرف شيئاً على الإطلاق .. نحن محاطون بالذين يتظاهرون بالحكمة و العلم ، و تكمن عبقريتهم في التملص من الأخطاء المحرجة . هناك تلك الزوجة الأمريكية التي قالت عن زوجها إنه خبير في سباق الخيول .. يخبرك قبل المباراة بالجواد الذي سيفوز و يخبرك بعد المباراة بسبب عدم فوز هذا الجواد ! . كل هذا يتلخص تحت عنوان كبير اسمه ( الحكمة بأثر رجعي ). إن البورصة و المصارف تعج بهؤلاء العباقرة على كل حال .. أذكر أن قريبة لي وجدت أن الناس جميعاً في مصر يحولون نقودهم إلى دولارات لأن سعرها سيرتفع . هرعت إلى المصرف لتحول مبلغاً ضخماً إلى دولارات ، فقال لها مدير المصرف _ وهو قريب لنا _ في ذكاء و غموض : لا تفعلي .. سوف يرتفع سعر اليورو و لسوف تندمين . هكذا عادت لدارها سعيدة لأنها تعرف رجلاً حكيماً كهذا .. بعد شهرين عادت للمصرف من جديد لتبتاع دولارات فلم تجد دولاراً واحداً . نظر لها المدير لائماً لبضع دقائق ثم قال : _ ” ألم أنصحك منذ شهرين بأن تبتاعي دولارات ؟ .. ألم أقل لك إن سعر الدولار سيقفز للسماء فلم تصغي لي ؟ .. عليك أن تتحملي نتيجه عدم الانصات لي إذن .. ” لم تستطع أن تقول أي شيء أو تذكره بما قال .. كل هذا عبث مع شخص كهذا .. هكذا غادرت المصرف و قد عقد الغيظ لسانها .. إلا أنني عندما حكت لي القصه قلت لها إن عليها أن تحمد الله علي وجود هؤلاء الخبراء في حياتنا ، فلولاهم لضعنا منذ زمن سحيق .. دعك من كل سمك الزينة الذي كان سيطفو علي السطح بسبب جهلنا !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق